سيد قطب
3614
في ظلال القرآن
وكلفها كتمان الأمر . فأخبرت به عائشة . . فهذا هو الحديث الذي جاء ذكره في السورة . وكلا الروايتين يمكن أن يكون هو الذي وقع . وربما كانت هذه الثانية أقرب إلى جو النصوص وإلى ما أعقب الحادث من غضب كاد يؤدي إلى طلاق زوجات الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - نظرا لدقة الموضوع وشدة حساسيته . ولكن الرواية الأولى أقوى إسنادا . وهي في الوقت ذاته ممكنة الوقوع ، ويمكن أن تحدث الآثار التي ترتبت عليها . إذا نظرنا إلى المستوي الذي يسود بيوت النبي ، مما يمكن أن تعد فيه الحادثة بهذا الوصف شيئا كبيرا . . واللّه أعلم أي ذلك كان . أما وقع هذا الحادث - حادث إيلاء النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من أزواجه ، فيصوره الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - وهو يرسم كذلك جانبا من صورة المجتمع الإسلامي يومذاك . . قال : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ثور ، عن ابن عباس قال : « لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - اللتين قال اللّه تعالى : ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) حتى حج عمر وحججت معه ، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة ، فتبرّز ، ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضأ ، فقلت : يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي - صلى اللّه عليه وسلم - اللتان قال اللّه تعالى : ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) ؟ فقال عمر : وا عجبا لك يا ابن عباس ! ( قال الزهري : كره واللّه ما سأله عنه ولم يكتمه ) قال : هي عائشة وحفصة . قال : ثم أخذ يسوق الحديث ، قال : كنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم . قال : وكان منزلي في دار أمية بن زيد بالعوالي . قال : فغضبت يوما على امرأتي ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني . فقالت : ما تنكر أن أراجعك ؟ فو اللّه إن أزواج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ! قال : فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت : أتراجعين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ؟ قالت : نعم ! قلت : وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل ؟ قالت : نعم ! قلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ! أفتأمن إحداكن أن يغضب اللّه عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت ؟ لا تراجعي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولا تسأليه شيئا وسليني من مالي ما بدا لك ، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم - أي أجمل - وأحب إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - منك - يريد عائشة - قال : وكان لي جار من الأنصار وكنا نتناوب النزول إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ينزل يوما وأنزل يوما ، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك . قال : وكنا نتحدث أن غسان تنحل الخيل لتغزونا . فنزل صاحبي يوما ثم أتى عشاء فضرب بابي ثم نادى ، فخرجت إليه ، فقال : حدث أمر عظيم . فقلت : وما ذاك ؟ أجاءت غسان ؟ قال : لا . بل أعظم من ذلك وأطول ! طلق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - نساءه ! فقلت : قد خابت حفصة وخسرت ! قد كنت أظن هذا كائنا . حتى إذا صليت الصبح شددت على ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي . فقلت : أطلقكن رسول اللّه - صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ؟ - فقالت : لا أدري . هو هذا معتزل في هذه المشربة . فأتيت غلاما أسود فقلت : استأذن لعمر . فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال : ذكرتك له فصمت ! فانطلقت حتى أتيت المنبر ، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم . فجلست عنده قليلا ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر . فدخل ثم خرج إليّ فقال : ذكرتك له فصمت ! فخرجت فجلست إلى المنبر ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر . فدخل ثم خرج إليّ فقال : ذكرتك له فصمت ! فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني . فقال : ادخل قد أذن لك . فدخلت فسلمت على رسول اللّه - صلى اللّه عليه